خليل الصفدي
171
أعيان العصر وأعوان النصر
شخص وأخبرني أنه قدم من ألواح ، ونزل سيوط ، فسافرت إلى سيوط فلم أجده ، وصحبت شابّا نصرانيّا ، ورافقته في الطريق إلى سوهاي ، وصار ينشدني طول الطريق شعرا ، وكان جميلا ، ففارقته من سوهاي ، ووجدت ألما كبيرا لمفارقته ، فدخلت إخميم ، وعندي وجد بذلك النصراني ، فحضرت ميعاد الشيخ كمال الدين بن عبد الظاهر ، فتكلّم في الميعاد على عادته ، ونظر إليّ ، وقال : لا إله إلا اللّه ، ثم أناس يعتقدون أنهم من الخواص ، وهم من عوام العوام ، قال اللّه تعالى : قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ [ النور : 30 ] ، والنحاة يقولون : من للتبعيض ، ومعنى التبعيض : ألا ترف شيئا من بصرك إلى شيء من المعاصي . ثم قال : حكى لي فقير ، قال : كنت في خدمة شيخ فمررنا بدار ، وإذا بامرأة جميلة ، ورأسها خارجة من الطاق ، تتطلع إلى الشارع ، فوقف الشيخ زمانا يتطلّع إليها ، ويتعجّب من ذلك ، ثم بعد ساعة ، والشيخ صاح صيحة عظيمة ، وإذا بالمرأة نزلت ، وقالت : أشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأشهد أن محمدا رسول اللّه ، فالتفت الشيخ إلى الفقير ، وقال : نظرت إلى هذا الجمال ، فقال : أنقذني من هذا الكفر ، فتوجّهت إليه ، فالشيخ ما نظر إلى حسن الصورة ، وإنما نظر إلى صورة الحسن ، فمن أراد ينظر إلى النصراني فلينظر كذا ، قال الشيخ علاء الدين : فصرخت ووقعت . قال : وحكى لي صاحبنا محمد بن العجمي ، وهو من أصحاب أبي عبد اللّه الأسواني « 1 » ، قال : عمل سماع في دار ابن أمين الحكم ، وحضر الشيخ ورؤساء البلد وخلق كثير ، وكنت من جملة الحاضرين ، فحضر القوال ، وهو مظفّر بالشبابات والدفوف ، وقالوا شيئا ، ثم قال : ( السريع ) من بعد ما صدّ حبيبي ، ومأر * جا اليوم ، وزار أبصرت ما كان أبركو من نهار * جاني حبيبي ، وبلّغني المنى وزال عن قلبي الشّقا * ودار كأس الأنس ما بيننا يا ما أحسن الكاسات علينا تدار * في وسط دار ودار كأس الأنس ما بيننا * أنا ومحبوبي نهارا جهارا فقام الشيخ ، وقال : إي ، واللّه أن طاب ، وخلع جميع ما عليه ، وخلع الجماعة ما عليهم ، ولم يبق كل أحد إلا بلباسه ، ثم أرسلوا وأحضروا ثيابا ، فقال : يا مظفّر ، قال : لبيك ، قال : ثيابي وثيابك الجماعة الجميع لك ، فشدوا كارات ، فقلت : يا مظفّر ، لولا رأس هذا
--> ( 1 ) أبو عبد اللّه الأسواني هو : محمد بن يحيى بن أبي بكر . ( انظر : الطالع السعيد : 640 ) .